ابن أبي شريف المقدسي

144

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

المعتزلة من أن العبد إذا خلق وكلف إلى آخر ما ذكرنا ما نصه : ( « فقد يتوهم متوهم أنه يجب عليه تعالى الابتداء بإكمال العقل لأجل التكليف وليس هذا مذهبا لهم ) يعني البصريين « 1 » ، ولم يستوف المصنف مقصود كلام الإمام ليظهر منشأ التوهم ، وقد نقل الإمام في « الإرشاد » أولا عن البغداديين من المعتزلة أن ابتداء الخلق واجب على اللّه وجوب الحكمة ، وأنه إذا خلق الذين علم أنه يكلفهم فيجب إكمال عقولهم وإقدارهم وإزاحة عللهم ، ثم نقل عن البصريين منهم أنهم أنكروا معظم ذلك ، يعني إيجاب ابتداء الخلق وإيجاب إكمال العقل كما دل عليه كلامه ، ونقل إجماع الفئتين البغدادية والبصرية منهم على أن الرب سبحانه إذا خلق عبده وأكمل عقله لا يتركه هملا ؛ بل يجب عليه أن يقدره ويمكنه من نيل المراشد ، ثم قال إمام الحرمين : « ونقل أصحاب المقالات عن هؤلاء مطلقا - يعني المعتزلة - أنه يجب على اللّه تعالى فعل الأصلح في الدين ، وإنما الاختلاف في فعل الأصلح في الدنيا » « 2 » وهذا النقل فيه تجوز ؛ فظاهره يوهم زللا ، فقد يتوهم المتوهم أنه يجب عند البصريين الابتداء بإكمال العقل لأجل التكليف وليس ذلك مذهبا لذي مذهب منهم ( فالذي ينتحله البصريون أنه تعالى متفضل بإكمال العقل ابتداء ، ولا يجب عليه إثبات أسباب التكليف » . اه ) كلام « الإرشاد » « 3 » . وبه يظهر أن منشأ التوهم إطلاق أصحاب المقالات النقل عن المعتزلة دون التفصيل الواقع في كلام الإمام أوّلا . ( ثم قال الحجة ) حجة الإسلام في « الرسالة » « 4 » ( ردا عليهم : « المراد بالواجب أحد أمرين ؛ إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل ) أي : في الآخرة عرف بالشرع ( كما يقال : تجب طاعة اللّه تعالى ، أو جاعل ) أي : في الدنيا وإن عرف بالعقل ( كما يقال : يجب على العطشان الشرب كي لا يموت ) ومعنى

--> ( 1 ) الإرشاد ، ص 288 . ( 2 ) الأصلح في الدنيا : لم يورد الأشعري وهو ضليع في فكر المعتزلة أنهم يقولون بالأصلح في الدنيا بل جل مقالاتهم تتجه إلى القول بالأصلح في الدين ، وذهبوا أكثر من هذا عندما جعلوا فعل العقاب بالعباد زجرا لهم عن المعصية وصلاحا واستدعاء إلى طاعة اللّه ، بل قالوا إن جهنم نظر للكافرين في الدنيا ورحمة لهم . فكلامهم كله منصب حول الأصلح في الدين . انظر : المقالات للأشعري ، ص 249 . ( 3 ) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، ص 287 - 288 . ( 4 ) الرسالة القدسية ضمن إحياء علوم الدين ، ص 164 .